العرض في الرئيسةفضاء حر

يمنية في بيروت: “منتصب القامة أمشي”

يمنات

هند الارياني

لكل إنسان نقطة تحول في حياته، بالنسبة إلي، لبنان، و تحديداً بيروت كانت المدينة التي غيرت حياتي و أفكاري و نظرتي إلى العالم. قد تكون بيروت مرتبطة في أذهان العرب بالسهرات الليلية، و يُعتَقد أن شارع الحمراء، شارع “الفسق والعهر”، و تُفسّر الحريات بأنها انحراف عن الأخلاقيات، و هذا ما كنت أنا ايضاً اعتقده قبل زيارتي بيروت و إقامتي فيها تسع سنوات كاملة.

في هذه السلسلة من المقالات سأحكي في كل مرة عن معتقد خاطئ كنت أؤمن به و بدّدته بيروت، مانحةً إياي فكراً جديداً حراً، بث فيّ شيئاً من السعادة و ساهم في نجاحي لاحقاً.

عندما كنت أمشي في طريقي إلى مدرستي في شوارع المدينة السكنية التي كنت أقطنها في صنعاء؛ كنت أتعمد النظر إلى الأرض و أمشي محدودبة لكي أخفي صدري، كنت أشعر بالعار لأنني أنثى. كان عليّ أن أكون صارمة بقدر الإمكان، حركاتي كلها محسوبة و كأنني متهمة مطلوب منها في كل لحظة إثبات أنها إنسانة محترمة و ليست عاهرة تحاول جذب الرجال. هذا كان شعور معظم الفتيات باستثناء من تمرّدن. كنا نشعر بالخجل من كوننا نساءً، و كأنها صفة تدعو إلى الشعور بالعار.

في يوم ما حدث موقف آلمني أنا و صديقاتي. اقترحت عليهن أن نمشي في حيّنا لنشتري بعض الأغراض و نتعرف إلى المحلات، مشينا بكل هدوء بالطريقة التي ترضي المجتمع و باللباس الذي اختاره لنا. واحدة من الصديقات كانت تمشي و هي تتمايل قليلاً لأن كعب حذائها كُسر، و نحن نمشي بأمان و أنا أطأطئ رأسي كالمعتاد. فجأة شعرنا بحجارة ترمى علينا، و عندما التفتنا، رأينا مجموعة شباب يضحكون ويقولون “امشي سوا يا قليلة الأدب”، سكتنا و لم نفعل شيئاً، فنحن لا نريد المزيد من الفضائح.

رأيت الخجل و العار في عيني صديقتي التي لم تعرف كيف تتصرف و كيف تمشي، فقررنا أن ننقسم، جزء منا ذهب لإحضار سيارة أجرة، و الجزء الآخر وقف معها من دون حراك إلى أن وصلت سيارة الأجرة.

منذ ذلك اليوم لم نعد نفكر أبداً في التنزّه في الحي، و بتّ أكتفي بالسير من البيت إلى المدرسة.

ذات مرة، فيما كنت ذاهبة إلى المدرسة محنية الظهر و خائفة من نظرات الرجال، سمعت صوت شاب يمشي مغنياً: “منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي” لمحته و هو يمر بجانبي مرتدياً زياً عسكرياً، و تمنيت لو كنت رجلاً أمشي مرفوع الرأس، منتصب القامة. كنت أظن أن الرجال وحدهم يحق لهم المشي من دون أن يخافوا أو يحسّوا بالعار..

و لكن بيروت غيّرت كل هذا.

الأنوثة هنا ليست عاراً

أول ما لاحظته في بيروت، النساء، ليس فقط لجمالهن و إنما للثقة بالنفس التي تتمتع بها غالبيتهن. هنا يتعامل المجتمع مع النساء بكل احترام وتقدير و”غنج”، المرأة اللبنانية مدللة و لا أقصد مدللة بمعنى أنها ليست مستقلة و معتمدة على نفسها، إنما أعني أنها تُعامَل برقة و كأنها وردة، و هذا التعامل يطبق على كل النساء من كل الأعمار، منذ الطفولة حتى الشيخوخة.

في مجتمعاتنا، و أقصد هنا اليمن و ما حولها من دول الخليج، تُعامل المرأة على أنها فتنة و عار، و التعامل معها يجب أن يكون جافاً و غليظاً، و الخجل من وجودها هو السائد، إلى أن تصبح عجوزاً فيبدأ المجتمع بتقديرها على أنها أم يجب احترامها، و لكن هذه الأم قبل أن تصبح بهذا العمر تكون قد عانت الكثير من الظلم، ما يجعلها تطبّق هذا الظلم على بناتها و زوجات أبنائها.

في بيروت تمشي النساء مرفوعات الرؤوس، و يفردن صدورهن من دون شعور بالعار، الأنوثة هنا ليست عاراً، هي أنثى فخورة بكونها أنثى ليس عليها أن تخفي ذلك أو تتصرف كرجل لتنال تقدير الناس و احترامهم. يا للغرابة!

نعم، كان هذا يبدو غريباً بالنسبة إلي. قد تعتقدون أن الموضوع لا يستحق كل اهتمامي هذا، و لكن بالنسبة إلي كانت هذه المعلومة مثل نقطة ضوء جعلتني أعرف قيمتي كامرأة … كإنسانة ليست عاراً و لا فتنة و إنما معتزة بكونها امرأة و فخورة بأنوثتها.

الأنوثة ليست عاراً و لا فتنة، كان هذا أول درس تعلمته في بيروت … ثم تعلمت أن أمشي بثقة و أرفع رأسي و أقول في نفسي “منتصبة القامة أمشي مرفوعة الهامة أمشي”.

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى